محمد حسين هيكل

172

حياة محمد ( ص )

يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا . وخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث . ولم يمهل حمزة شيبة ولا أمهل عليّ الوليد أن قتلاهما ، ثم أعانا عبيدة وقد ثبت له عتبة . فلما رأت قريش من ذلك ما رأت ، تزاحف الناس ، والتقى الجمعان صبيحة الجمعة لسبع عشر خلت من شهر رمضان . دعاء محمد وابتهاله وقام محمد على رأس المسلمين يعدل صفوفهم . فلما رأى كثرة قريش وقلّة رجاله وضعف عدتهم إلى جانب عدة المشركين عاد إلى العريش ومعه أبو بكر ، وهو أشد ما يكون خوفا من مصير ذلك اليوم ، وأشد ما يكون إشفاقا مما يصير إليه أمر الإسلام إذا لم يتم للمسلمين النصر . واستقبل محمد القبلة واتجه بكل نفسه إلى ربه ، وجعل ينشده ما وعده ويهتف به أن يتم له النصر . وبالغ في التوبة والدعاء والابتهال وجعل يقول : « اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذّب رسولك ، اللهم فنصرك الذي وعدتني . اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد » . وما زال يهتف بربه مادّا يديه مستقبلا القبلة حتى سقط رداؤه ؛ وجعل أبو بكر من ورائه يرد على منكبيه رداءه ويهيب به : يا نبيّ اللّه ، بعض مناشدتك ربّك ؛ فإن اللّه منجز لك ما وعدك . ولكن محمدا ظلّ فيما هو فيه أشدّ ما يكون توجها وأشد ما يكون تضرّعا وخشية واستعانة بربه على هذا الموقف الذي لم يتوقعه المسلمون ولم يتخذوا له عدته ، حتى خفق خفقة من نعاس رأى خلالها نصر اللّه ، وانتبه بعدها مستبشرا ، وخرج إلى الناس يحرضهم ويقول لهم : « والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله اللّه الجنة » . وسرت من نفسه القوية ، أمدها اللّه من لدنه بما سما بها فوق كل قوّة ، إلى نفوس هؤلاء المؤمنين برسالته قوّة ضاعفت عزمهم ، وجعلت كلّ رجل منهم يعدل رجلين بل يعدل عشرة رجال . ويسير عليك أن تقدر هذا إذا ذكرت ما لازدياد القوّة المعنوية من أثر في النفس متى توافرت أسباب ازدياد هذه القوّة المعنويّة فيها . فدافع الوطنية يزيدها . وهذا الجندي الذي يقف مدافعا عن وطنه المهدد بالخطر ممتلئ النفس بالعاطفة الوطنية ، تتضاعف قوّته المعنوية بمقدار حبه لوطنه وإيمانه به ، وبمقدار تخوّفه من الخطر الذي يتهدد العدوّ الوطن به . ولهذا تغرس الأمم في نفوس أبنائها منذ نعومة أظفارهم حبّ الوطن والاستهانة بالتضحية في سبيله : والإيمان بالحق وبالعدل وبالحرية وبالمعاني الإنسانية السامية يزيد القوّة المعنوية في النفس بما يضاعف القوّة المادية فيها . والذين يذكرون ما قام به الحلفاء في الحرب الكبرى من دعوة واسعة النطاق ضد الألمان ، أساسها أنهم يدافعون عن قضية الحرية والحق ويحاربون في ألمانيا الجندية المسلحة ويمهدون لعهد سلام ونور ، يدركون ما كانت تضاعف هذه الدعوة من قوّة في نفوس جنود الحلفاء بمقدار ما كانت تحيطهم به من عطف في أكثر أمم العالم . وما الوطنية وما قضية السلام إلى جانب ما كان محمد يدعو إليه ! إلى اتصال الإنسان بالوجود كله اتصالا يندمج به فيه ويصبح قوّة من قوى الكون الموجه له إلى سبيل الخير والنعمة والكمال ! نعم ما الوطنية وما قضيّة السلام إلى جانب الوقوف في جانب اللّه ودفع الذين يفتنون المؤمنين عنه ، والذين يصدّون عن سبيله . والذين ينزلون بالإنسان إلى درك الوثنية والإشراك . إذا كانت النفس يزيدها حب الوطن قوّة بمقدار ما في الوطن كله من قوّة ، ويزيدها حب السلام للإنسانية كلها قوّة بمقدار ما في الإنسانية من قوّة ، فما أكثر ما يزيدها الإيمان بالوجود كله وبخالق الوجود كله من قوّة ! ! إنه ليجعلها قديرة أن تسيّر الجبال ، وتحرّك العوالم ، وتهيمن بسلطانها المعنوي على كل من كان أقلّ منها في هذا الأمر إيمانا . وهذا السلطان المعنوي يزيد قوتها أضعافا مضاعفة ، فإذا لم يصل هذا السلطان المعنوي إلى غاية كماله بسبب ما كان بين المسلمين من خلاف قبل الموقعة ، لم تبلغ القوّة المادية كل